بصمة

أزمة حوار

استمع تحميل الصوت | شاهد تحميل تحميل العدد القابل للطباعة

شهد شهر رمضان المبارك، وعبر برامج ومسلسلات متنوعة بالقنوات الفضائية، طرحًا لقضايا فكرية واجتماعية، اختلف عليها الكثير ما بين مؤيد ومعارض، ولو تم قياس تلك المجموعات المعارضة والمؤيدة من خلال أعمارهم وتعليمهم وخبراتهم وثقافاتهم، لوجدنا أن هناك تباينًا واضحًا من ناحية الفكر والتوجه.

فالبعض وللأسف يردد ما يقوله ويمليه عليه الآخرون دون تدقيق منه أو مراجعة، فتجده يرفض مع من رفض ويقبل مع من قبل، وهذه التبعية هي المشكلة والمعضلة، فمتى نتحرر بفكرنا المنفرد دون تأثير من أحد.

لذلك كانت الحوارات المؤيدة والمعارضة عبر وسائط التواصل الاجتماعي لتلك البرامج والمسلسلات كثيرة جدًا ومتنوعة، وتحمل في طياتها ضعفًا كبيرًا في أبجديات الحوار.

لذلك، هل نحن نعاني من أزمة حوار؟ أم أن هناك مساحة شاسعة للحوار تتسع للجميع وخاصة بعد انتشار وسائط التواصل الاجتماعي بين الناس؟

في ظني أننا مازلنا نعاني أزمة حوار فيما بيننا، وسنظل فترة أطول ونحن نعاني، بسبب ما نشاهده من اختلافات وردود غير لائقة بالجميع، وفي ظني أيضًا أن الفكر عندما يكون فكرًا حرًا يتشكل على أساس العلم والمنطق والعقل ويكون ديدنه التحليل والتمحيص للكشف عن أي رأي أو طرح قبل تأييد الأفكار أو مخالفتها، فإنه سيكون للحوار أقرب وللهدوء أميل.

فكلما كانت أفكارنا تتشكل بشكل سليم وحر، فإننا نستطيع التصدي للأفكار البالية ومحاربة التعصب والغلو والعنصرية بحوار هادئ رزين، بعيدًا عن التشنجات، وبعيدًا عن الشخصنة والأحادية التي هي من مضادات الحوار وليست من معززاته.

نحن نمر بفترة تغير كبيرة على مستوى مفاصل الدولة، سواء كان ذلك على مستوى التعليم أو المستوى الثقافي أو على الصعيد الاقتصادي، مع العلم أن القوانين التي تم سنها ضد الإساءات البذيئة مثل السب أو الشتم، حدت من الغوغائيين الذين يتلقفون الأفكار والآراء من واقع نظراتهم الشخصية فقط، فإذا كانت ضد آرائهم وتوجهاتهم فإنك تشاهد وتقرأ حوارات سلبية لا تعكس حضارة المجتمع وتقدمه، لذلك أصبح الجميع من خلال تلك القوانين يحتاطون لما يكتبون وينقلون ويرسلون خوفًا من الوقوع في المحظور وتطبيق تلك القوانين عليهم.

هذا التغير الكبير الذي نمر به لابد أن يلازمه تغير في الفكر من قبل الجميع، ونصبح مجتمعًا واعيًا من خلال طرحنا للأفكار ومناقشتها المناقشة العلمية المنطقية المفيدة، وعدم رفض الأفكار أو الانتقاص منها حتى لو لم نقتنع بها، لأنها تظل وجهات نظر متبادلة تقبل الرد والأخذ فيما بيننا، ولا نذهب إلى مقولة «إن لم تكن معي فأنت ضدي».

فكلما تعاملنا بالحوار الهادئ فيما بيننا، سواء على مستوى المنزل أو العمل أو الأصحاب، فإننا سنرى الفرق في تطور النقاش والاستفادة منه والخروج بفوائد كثيرة، فالأمم الراقية تعتمد اعتمادًا كليًا على الحوار والتحاور في جميع مجالاتها الفكرية والاجتماعية والتعليمية.

محمد الشويعر

محمد بن عبد الله الشويعر, دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة الملك سعود، عمل مستشاراً لعدد من المؤسسات منها الحوار الاجتماعي في وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، الحوار الوطني، إدارة الدراسات والبحوث التنفيذي بصندوق الموارد البشرية، كما ادار الدراسات والبحوث والنشر بمركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ، شارك في العديد من اللجان العلمية والتنظيمية، كاتب رأي لعدد من الصحف السعودية والعربية وله عدد من الدراسات والبحوث المنشورة في عدد من المجالات التاريخية والفكرية.

اترك ردًا

زر الذهاب إلى الأعلى