برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بوارق

عيد قروي ببياض «الشِيدة»

يتماهى الفرح في أرجاء قرى الباحة كفراشات ملونة وعصافير مغردة مع إطلالة العيد، مشعال يشع فوق سقف أحد الجبال الشاهقة أو خبر يأتي عبر موجات الأثير، بواسطة مذياع أو سماع لصوت أعيرة نارية يطلقها أحد المبتهجين، تعبيرًا عن الفرح السائد في القرية بمناسبة حلول العيد المبارك.

القرويون يستعدون للعيد في الأيام الأخيرة من رمضان، بطلاء جدران منازلهم الداخلية بـ«الشيدة»، تربة بيضاء يجلبها النساء من عروق في سفوح الجبال لتُمتزج بالماء، بعدها تُشكل مادة طلائية بيضاء، أما الأبواب والنوافذ تُطلى بالقطران، وهكذا تبدو منازل القرية بجمالية مختلفة.

ومع بواكير الفجر ينهض الجميع، النساء يجهزن الخبز والرجال والأطفال يذهبون لأداء صلاة العيد في مصلى القرية، الذي يقع فوق سفح أحد الجبال المحاذية للقرية، يبدأ الإمام خطبته بالحمد والشكر لله ثم الصلاة والسلام على الرسول، ويسترسل في الحديث عن نقاء وصفاء القلوب، وهي سمة من سمات العيد، وبعد انتهاء خطبتي العيد يقوم الجميع بتهنئة بعضهم البعض في صورة بالغة الجمال، ليتجهوا بعدها للمقابر للسلام على الراحلين من الأقارب والخلان، مؤكدين عدم نسيانهم لهم حتى في أقصى ساعات الفرح.

وتستعد كل أسرة استقبال المهنئين بحلول العيد السعيد بتوفير مائدة الإفطار من خبز وتمر وسمن وعسل ولباب وزبيب، ودعوات بالخير والبركة لمن شاركهم المعايدة.

ويستمر الفرح كـ«هتان» يسقي مزارعهم ليكون للشاعر الشعبي حضوره البهي يلقي القصائد وسط حضور رجال القرية، الذين يحرصون على المشاركة، تعبيرًا عن فرحتهم وابتهاجهم.

تلك اللوحة الأنيقة والمشاهد الرائعة التي كانت تحدث لسكان القرية تغيرت كثيرًا في الوقت الحاضر ليأتي العيد باردًا باهتًا، عدا رسائل تنهمر عبر أجهزة الوسائط الحديثة، لذا البعض يحاول أن يتذكر بهاء العيد في الماضي بكثير من عبارات تضمر حزنًا خفيًا إلى ما آل إليه العيد حاليًا، مستدركين بأن الزخم الإعلامي ووسائل التواصل السريعة والأساليب الحياتية كلها ساعدت على التباعد النفسي.

أما في الماضي فمعظم سكان قرى الباحة كانوا يعملون في فلاحة الأرض، ارتباطًا بالتربة والماء وما تنتجه مزارعهم من ثمار تكفي حاجتهم وتزيد، وليس هناك ما يشغل تفكيرهم، لذا حياتهم بسيطة ونفوسهم صافية وعيدهم أبيض كبياض «الشيدة».

جمعان الكرت

كاتب صحفي في صحيفتي الشرق والبلاد سابقاً، سبق له الكتابة في عدد من الصحف الإلكترونية منها (سبق، مكة الإلكترونية، صحيفة الأنباء العربية)، كما أنه كاتب قصة قصيرة، وصدر له عدد من المطبوعات الأدبية.

‫2 تعليقات

  1. لقد أبكيتني يا كاتبنا المبدع .. تذكرت عيد أهل أول حيث التزاور .. وحيث العيديات .. وحيث يطلب إمام الخطبة بأن يتسامح الجميع مع الجميع .. ذاك عيد بحق وحقيق يا أبا رائد الجميل ..
    أعجبتني سالفة “الشيدة” .. كان نساء القرى المجاورة يتسابقن للحصول على ألواح الطين اليابس / المتحجر ليأخذنه إلى بيوتهن فيقمن بسحقه بمساحق ملساء ليسهل عجنه بالماء ومن ثم يطلين بيوتهن بتلك الشيدة الناصعة البياض .. وكان هناك تربة حالكة السواد يطلين بها أسفل جدران البيت ، وهي تماما ك”القط” الذي يبدعن فيه نساء الجنوب .. وكان أحسن شيدة ما كان من عمل أهلنا في قرية المضروم ، وقرية الحاني ، أما الحصون والسواد فلا ..

    1. أما زيارة القبور في يوم العيد فلم يكن يقوم بذلك كثيرا إلا أهلنا في : المسفلة ، والمعلاة ، والمعشي ، والحازم ، ودار الخيال ، والحبيش ، وآل سعيد ، والحبناء .. بحكم أنهم معروفون بالعاطفة المتّقدة بالإحساس بعظم فقد القريب .. رائع أنت يا ابن رغدان البار .. ويا ليت تحب عويرة ، وتحب مشنية ، وبني فروة ، والطلقية كحبك لمسقط رأسك قرية رغدان الجميلة بمعالمها وأهلها .. نبارك لرغدان بك ، ونبارك لك برغدان الحبيبة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق