برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
بُعد آخر

تلفازك في جيبك!

قبل عقدٍ من الزمن، وفي إحدى القاعات الدراسية أثناء دراستي لمرحلة الماجستير، طلب أستاذ المقرر مني ومن زملائي قراءة مقالة علمية يتنبأ كاتبها بأن أجهزة التلفاز بشكلها التقليدي وآلية عملها، سوف تتغير سريعًا آخذةً بُعدًا آخر من حيث تعاطي المتلقي معها، إلى أن ينتهي كاتب المقالة بأن تلفازك سيكون في جيبك مستقبلًا.

قرأت وزملائي تلكم النبوءة بشيءٍ من الاندهاش الممزوج بشغف الانتظار، حينذاك كان لم يمضِ سوى بضعة أعوام من تأسيس «جاود كريم» ورفيقيه لمنصة «يوتيوب» التي كانت بدورها عبارة عن مستودع ضخم من المواد الفلاشية والفلمية التي يتطلب الوصول إليها بعض الجهد وكثيرًا من الصبر.

ورغم ذلك فقد ظلّ التلفاز بشكله التقليدي صامدًا، وظلّ هو جامع العائلة لـ«التحلُّق» حوله بُغية تلقي الخبر أو لمجرد التسلية والمتعة، ولأنّ صمود القديم ليس من سنن العصر، فقد انتاب التلفاز اضمحلالٌ في توق المتلقي وشغفه بالمعروض على الشاشة الفضية، واحتلّ الإعلانُ مساحة عريضة تطغى في أحيانٍ كثيرة على لبِّ المحتوى، خصوصًا في مواسم الذروة، وما رمضانُ سوى خير شاهدٍ عليها، فبانقضائه تغلقُ كثير من الأسر تلفازها على أمل لقاءٍ في رمضان المقبل، لتصبح فكرةُ «تلفازك في جيبك» حقيقة جلية ظاهرة للعيان.

فالقنوات الإخبارية تُضمّن مواجيزها في تغريدة، والأحداث الرياضية الكبرى تُنقلُ في بثٍّ حي عبر روابط قابلةٍ للتداول رقميًا، ويقضي جيلُ «الآي باد» ساعات متتالية في حضرة مادة مرئية أو لُعبة مشوقة.

أما عشاقُ السينما والدراما فلم يعودوا ليكترثوا بموعد بث سهرة تلفزيونية أو فيلمٍ سينمائيٍ أو مسرحية، من أدراج الأرشيف في نهاية الأسبوع، واندثرت برامج «ما يطلبه المشاهدون»، فالمشاهدون لا يطلبون اليوم، بل يبحثون عن المادة الأفضل في الوقت الأنسب، بما يشبع رغباتهم ويروي ظمأهم للمعلومة والخبر والبرنامج الحواري والمقطع الكوميدي والفيلم الوثائقي.

كلّ ذلك يضعُ عبئًا ثقيلًا على صناعة التلفزيون، ويضعُ علينا نحنُ عبئًا أكبر، حين نجدُ أنفسنا أمام سيلٍ جارفٍ من العرض التلفزيوني نحمله في جيوبنا يضاهي الطلب في كثير من الأحيان.

ايمن العريشي

ايمن علي العريشي: محاضر وباحث في مرحلة الدكتوراة، له عدة مقالات رأي منشورة في عدة صحف سعودية وخليجية كالوطن السعودية و الجزيرة والحياة والرؤية الإمارتية وإيلاف الإلكترونية و موقع هات بوست.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق