برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
الصعود للعمق

لماذا ننقش الصخور؟

هل نعتقد نحن الكتاب أننا مختلفون عن رجل الكهف عاري المؤخرة في العصور الحجرية السحيقة، الذي كان يحفر بكل مقدراته على الصخر ليكتسي، ويُشعر من يمرون حوله بأنه ذكي مستبصر، يمتلك حقيقة الواقع ويتنبأ بالمستقبل، ويؤرخ لما يكون من فعل فردي أو جماعي، ويحذر من الانزلاق على حواف جروف انعدام الخبرة وخشية الترهل.

أغلبنا يمتلك الهم الجماعي، الذي يحفزنا لنحفر في صخور الزمن بعض مرئياتنا، فنصدق مرات، ونبالغ مرات، حين نفتت بعض الصخور بمطارق جنوننا.

الكاتب على مدى العصور إما أن يكون فعلًا يفكر ويستنبط ويحلل الأمور، ويدون حروفه بكل ثقة لجيله والأجيال القادمة، أو أن يكون من النوع المتطلع للشهرة بأي خرابيش ينقشها، حتى ولو لم تحمل من المرئيات والفكر الكثير، فلا تلبث عوامل التعرية أن تمسح نقوشه وستره بأسرع مما يتخيل، ويكتشف أنها لم تكن مؤثرة ولا فاعلة، في كشف ظلمات الكهف.

أما النوع الثالث وهو الأخطر دومًا، فإنه لمجرد الظهور والبقاء ينقش الرياء ويمتدح من لا يستحق، وينقص حق من له كل الحق، وهذا النوع كثيرٌ بيننا، وقد يبرز وقتيًا، ولكنه لا يلبث أن يصاب بتشققات في الصور إثر اهتزازات صخرية تمسح كل نقوشه، وقد يظهر بعضها للتدليل على أن المصداقية تستمر وتستحق الحفظ في متاحف البحوث والأيقونات.

بعض المديح إذا كان يرجى منه البناء والتجويد في الأداء وتأكيد صلاح وتواضع الممدوح، فذلك يمكن تمريره، مهما احتوى على رموز غريبة ونقوش معقدة تدعو للتفكر.

ولكن المديح في غير موضعه لا يعدو كونه نقرات مسمار أرعن، سرعان ما يأتي عليها الصغار بشخابيط مسامير شقية تصيب الحجر باللوثة، وتؤكد تردي قيمته.

الذم أيضًا لكل مخالف يجعلنا ننقش الصخور بالأسياخ المحمية بالنار، فيصعب مسح جروحها، حينما تنعدل الأحوال، ومهما حاول الناقش تحطيمها، والادعاء بأن فأسه قد فعل.

الحاضر مهما زاد بريقه فإنه يبنى على التراث التراكمي القديم المؤثر، ويجب على الناحت ألا يحاول تأطير لوحاته بالزيف، مستخدمًا نقوش الجمال والإبداع، وألا يجور ويفتري في التشويه.

النقوش أمانة، فمن نحت في أحد الكهوف صورة صياد يطارد غزالًا، أعطانا صورة قوية عن احتياج تلك العصور، وحيلة من عاش فيها ليكون.

أما من نقش ما يشبه المركبة الفضائية، فقد أعطانا صورة مزيفة عن عصره، وأدخل الشك في مخيلاتنا بأن القادمين من الفضاء قد حلوا في أرضه، وزادوه وزادونا خبلًا.

شاهر النهاري

طبيب أخصائي طب الأسرة والمجتمع، يعمل في مدينة الملك فهد الطبية بالرياض مديراً للمشروع الطبي، زاول كتابة مقالات الرأي بعدة صحف كجريدة الشرق الأوسط - لندن، صحيفة الوطن السعودية، الجزيرة، الشرق ،مكة الورقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق