برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
أجراس

صراع تحرير الذات

حس رقيق جدًا كأنه جسر هلامي مُعلق بين بحرين، مرة يشعر الفرد بأنه حر طليق وأخرى بأنه مقيد، فالحرية تتماوج بين معنى مجرد وفعل ملموس لتصبح قيمة كاملة، وللتوضيح أكثر، قد تكون الممارسات «الأفعال» واحدة لكلا الاثنين، ولكن الشعور ذاته «الحس» مختلف، فمن أين نبدأ؟.

في المجتمعات الأبوية، تكون البداية هي المرحلة الأشد صلابة بترويض النفس وتحريرها من سجونها العنيدة التي لا تنفك تنجر خلف آبائها، وأعني بالآباء: الأفكار القديمة والمفاهيم العنيدة والعصية على التغيير والانسجام مع متغير الزمن.

وهنا أستحضر موقفًا ظريفًا: كانت الطاولة مُستديرة يلتف حولها موظفون من مختلف الدول العربية، جرى حديث عن تحولات المرأة السعودية، فقال أحدهم بفخر: إنني ضد منع المرأة من العمل، فقد سمحت لزوجتي أن تقدم على الوظائف الحكومية وهي الآن معلمة، كان يقولها بانتشاء! أتم طبقه وقام لإحضار الحلوى، فاستدار رجل من دولة عربية أخرى وضحك متهكمًا: ما أسخفه! لقد سمحت لزوجتي أن تعمل، وهل هذه المسألة قابلة للسماح أو عدمه، وهل هي شأنك أم شأنها؟.

هكذا تتأصل مفاهيم الحرية، فالفرد الذي يعيش في بيئة محكومة بآبائها وتفتقر أبسط معاني الحرية، يتحول ضمنيًا لمُقيَّد ومُقيِّد، فماذا لو حاول أحدهم إقناع زوجته بأن حق العمل خاص بها وليس بأحد غيرها؟ وما يحدث من تشاور وتراضٍ فهو من قبيل العشرة الطيبة وتنظيم الأدوار وتبادل الآراء في الإطار الزوجي المشترك، أما كقيمة مجردة فهي من شؤونها الخاصة كما هو الحال مع وظيفة الزوج تمامًا.

أظن أن هذا الأمر قد يزعج البعض الذين يعتقدون أن فيه تأليبًا لفكر المرأة وتحريضًا على خلخلة الاستقرار الأسري المتعارف عليه، وهذا فهم غير صحيح بلا شك، فالمرأة برغم تقيدها مازالت قادرة على رفض العمل الوظيفي والتنصل منه أصلًا، ورمي المسؤوليات كافة على عاتق الرجل، كما بحريتها يمكنها أن ترفع ثقلًا ليس سهلًا عن الزوج وتشاركه وتساعده في المسؤوليات، لإتمام عملية الشراكة الحياتية بشكل تبادلي تكاملي.

تحرير الذات من الداخل لا يعني جرّها إلى التمرد والفتك بالأسوار، بل يعني أننا نسير والضوء مشتعل أمام أعيننا.

رجاء البوعلي

بكالوريوس في الأدب الإنجليزي ودبلوم في الإرشاد الأسري وآخر في السكرتاريا التنفيذية، مدربة معتمدة من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. كاتبة وأديبة لها مساهمات كتابية في العديد من الصحف السعودية والعربية، مدربة في مجال التنمية البشرية، ناشطة في قضايا الشباب ومهتمة بالشأن الثقافي، عضو في عدة أندية ثقافية محلية ودولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق