برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
قهوة السابعة

يوما ما ستبدو فخورًا بعبورك

وأنا أديرُ أكبر مراكز تدريبي، وأتابعُ نشاطها عبر إيميلاتي المتدفقة، جال في خاطري «رائد»، ذاك الطفل الذي كان يقبع في المقعد الأخير من الفصل بكامل إحباطه، وخوفه، وتأتأته، ذاك الطفل الذي يعتقد أن عملية التعلم مستحيلة، والمدرسة مرعبة، والدروس طلاسم مبهمة، ذاك الطفل الذي أخرس لسانه الفشل وقلة الثقة بالنفس، حتى قيّض الله له المعلم.

«إحسان» الذي لاحظ عليه عدم تفاعله، وغيابه، وتأخره الدراسي، نعم، يقول رائد: لا أنسى أول مرة قدمني فيها هذا المعلم الفذّ لتلاميذ فصلي: «والآن الذي سيقرأ صاحب الحنجرة الذهبية أخوكم رائد».

عندها التفتُّ وكأني لم أصدق أنه يعنيني أنا، وفاجأني أكثر عندما قال: «أريدكم أن تغمضوا أعينكم لتركزوا في معرفة أيِّ نوع من العصافير تشبه حنجرته».

أذكر أنني قرأتُ بحماس منقطع النظير وأنا أشعر أنني عصفور يغرد، والأجمل أنني لم أصطدم بنظرات أحدهم التي ترعبني فتؤثر علي وتفقدني الثقة بنفسي، بعدها طلب منهم أن يصفقوا بحماس لجودة قراءتي المتقطعة، لم ينتقدني من البداية حتى لا يحبطني، بل بدأ تشجيعي شيئًا فشيئًا حتى اجتزتُ ضعفي، وأصبحت نهمًا محبًا للقراءة، وما إن وصلتُ مقاعد الجامعة حتى أصبحتُ شخصًا آخر مولعًا بالبحث والدراسة.

وفي هذه المرحلة بدأ القلق يعتريني من جديد، ولكن هذه المرة القلق الإيجابي الذي يسيطر علي، على شكل أسئلة لا تفتأ تطرق عقلي:

كيف أصنع حلمي؟

كيف أصبح مبدعًا؟

كيف أتعرف على قدراتي وأوظفها لصالح مشروعاتي الاقتصادية؟

نظرت إلى السماء مُطَوُّلا، نعم يجب أن أرسم رؤيتي المستقبلية، طريق عملي، دراستي الذي سيوصلني إلى تبوء حلمي، كدأب العظماء يركزون في الأفكار المفيدة والناجعة التي تصنع الذات، بالفعل نحن بحاجة إلى تغيير الأفكار العقيمة والميتة، فالله عزّ وجلّ أمرنا بالتفكر والتبصر، والعمل المثمر امتثالًا لوصية رسولنا -صلى الله عليه وسلم- في أن نسعى في الحياة، وكأننا نعيش أبدًا، وهل هناك أبلغ دليلًا على الإنماء وحب العمل من قول نبينا المعلم «إذا قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»؟، «رواه أحمد».

نعم هو ذا ديننا المتميز بالوعي الجميل، فالله ورسوله ذمّا الإنسان الخامل غير القادر على الفاعليّة، ذاك الذي قيدته رغباته القاصرة على الاحتياجات الأولية، فما عاد لديه سعة نضجٍ لتثبيت قاعدة القيم والأخلاق والعمل.

هنا تنفستُ الصعداء، فبالوعي الجميل والنضج الفكري والإيمان عرفتُ أنّ سر العبقرية ومفتاح النجاح يكمن في قوة تأثير الكلمة المستمدة من قوة الاعتقاد بها، فكن صاحب الكلمة الأخيرة بقوة فكرتك، وغيّر نفسك من الداخل بتغيير أفكارك حتى تحصل على مقعدك اللائق في الحياة الدنيا والآخرة، فقط عليك أن تتجاوز المصاعب.

«فلا تحسب المجد تمرًا أنت آكله *** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا»

ويومًا ما ستبدو فخورًا بكل الصعاب التي واجهتها في حياتك، بكل لحظة خوف، توتر، قلق، سهر، يومًا ما ستبدو فخورًا بعبورك.

فاطمة اليعيش

فاطمة اليعيش , حاصلة على الاجازة الاكاديمية في مجال التربية , مهتمة في التمية وتطوير الذات , عملت في وزارة التعليم وشاركت في العديد من الدورات والورش المتخصصة في مجال الصحافة والتربية والتعليم , لها العديد من المساهمات في مجال الاختبارات والقياس , كتبت في عدد من الصحف منها صحيفة اليوم و الشرق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق