برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
أجراس

الحاجة للحرية

يقول «نيتشه»: «الأنانية هي هذا القانون المحدد للشعور، الذي على أساسه تكون الأشياء الأقرب هي الأكبر والأثقل، في حين أن كل تلك التي تبتعد تقل حجمًا وثقلًا»، فهل أصاب نيتشه؟.

طُبعت النفوس على حب الذات الذي يصل في كثير من الأحيان إلى الأنانية، ما يقتضي عدم الشعور بالآخرين، هذا المستوى من الحس لا يقف عند حد الحاجات المادية، بل يسيطر أيضًا على أساليب التفكير للإنسان، وهذا ما يُفسر فرط الإحساس بالأشياء الشخصية والمتعلقة بالفرد ذاته، بينما تبلده تجاه ظروف الآخرين، فماذا لو أخذنا الحاجة للحرية كمثال على هذه الأنانية المتفاوتة؟

إن تجربة السؤال لمجموعة من الأفراد عن ماهية الحرية، سترتبط بحاجتهم لها وطبيعتهم الشخصية، فهواة الطهي لن يتحدثوا عن حرية الصحافة وقد لا يدرون بتاتًا أن هناك سقفًا محددًا لكل صحيفة إخبارية، بينما يمكنهم الإبداع في الحديث عن حرية اختيار الأصناف والأطباق الرئيسية من المطبخ الإيطالي وبدائلها الصحية لمتّبعي الحميات الغذائية، كما أن المرأة المطلقة تُدرك تمامًا الأبعاد الإيجابية والسلبية للولاية وكذلك لديها تنبؤات محتملة بعد إسقاط نظام الولاية، إنما المتزوجة حديثًا والتي مازالت تقضي شهر العسل في جزر المالديف لا تدري شيئًا عن هذه التعقيدات.

أما المرأة الريفية التي لم تخرج من القرية، ستظل تندد بهذه المطالب وتنعت النساء بالتمرد من أجل الفساد فقط، فهي ترى أن المطالبة بإسقاط الولاية ليست إلا مطالبة بإسقاط العفاف والأخلاق في مجتمعها الملائكي المُختار.

فالحرية تأتي وفق أولويات الإنسان، وهنا يظهر التفاوت في المطالب والاحتياجات، وهكذا تزول أوهام القلق من الحرية وتتبدد الأعذار الواهية بمجرد تغيُر الظروف، وتبقى الفئة الأقلية هي التي تتجاوز أنانيتها بإحساسها باحتياجات الآخرين ومعاناتهم، مُمثلة دورًا إنسانيًا نبيلًا جدًا.

يشاركنا حديثنا «غوته» بمقولته «يتصور الطحان أن القمح إنما ينمو لتشغيل حانوته» إنها رمية لكل فرد في هذا العالم، تلفت عنايته بأن الحرية كلمة واحدة لها معانٍ وانعكاسات وآفاق مختلفة من حالة لأخرى، وأن المفاهيم والأمنيات لاتقف عند حد واحد قاصر في معظم الأحيان، بل تتجاوز لتواكب هذا التنوع البشري الهائل.

رجاء البوعلي

بكالوريوس في الأدب الإنجليزي ودبلوم في الإرشاد الأسري وآخر في السكرتاريا التنفيذية، مدربة معتمدة من مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. كاتبة وأديبة لها مساهمات كتابية في العديد من الصحف السعودية والعربية، مدربة في مجال التنمية البشرية، ناشطة في قضايا الشباب ومهتمة بالشأن الثقافي، عضو في عدة أندية ثقافية محلية ودولية.

تعليق واحد

  1. شكراً لكم استاذتنا رجاء على هذه السلسة من المواضيع التي تتناول موضوع الحرية
    ينقل عن القس المسيحي: سامي حلاّق كلمة في إحدى المناسبات الدينية بعنوان: (تأسيس مفاهيم الحرّيّة في عقول الناس على نهج الإمام علي ) أحب أن أنقل جانباً منها:
    (إنّني لستُ من الاختصاصيّين في سيرة هذا الإمامِ الجليل. ولكنّني أراه على الدوام إنساناً تقيّاً ومعلّماً روحانيّاً أكثر منه خليفةً سياسيّاً أو حاكماً مدنيّاً… في تأمّلاتي لأقوال الإمام عليّ بن أبي طالب، راودني سؤالٌ ملحّ: ما هو المفهوم الجوهريّ للحرّيّة الّذي يبني عليه إمامنا تعاليمه وأقواله؟
    قد يبدو لكم هذا التساؤل غريباً. فالحريّة حرّيّة. إنّها مبدأٌ وجوهر. ومنها تخرج الفروع: حريّة التعبير، حريّة الفكر، حريّة التجارة، حريّة التنقّل … ولكنّني لاحظتُ، من الناحية الروحيّة، أنّ الإمام عليّ لا يعتبر هذه الأمور حريّة، أو حريّات جوهريّة. فالحريّة الجوهريّة في رأيه تنطلق من نظرة روحيّة إلى الإنسان، وعلى هذه النظرة أن تطرح تساؤلاتٍ على كلّ تعريفٍ للحريّة تعطيه العلوم الإنسانيّة… هل مبدأ: «الحرّيّة هي أن أفعلَ ما أشاءُ» هو التعريف الصحيح للحرّيّة؟ ربّ قائلٍ يقول: أجل، هذه هي الحرّيّة ولكنّها تنتهي عند حرّيّة الآخرين. أي حريّةً ولكن ضمن حدود. فلسفيّاً، لا يمكننا أن نقبل هذا التعريف، لأنّ الحريّة هي عكس الحدود. إنّها غياب الحدود… إذا تأمّلنا أقوال الإمام علي ، نرى أنّه يعتبر الحريّة أوّلاً هي قدرة الإنسان على التقرّب من الله. أنا حرّ بمقدار ما أستطيع أن أتقرّب من العزّة الإلهيّة… كلّ مفاهيم الحرّيّات الشائعة بين الناس: حريّة التعبير، حريّة الفكر، حريّة التصرّف، عليها أن ترتوي من نبعٍ واحدٍ وحيد وهو الله… ولكي يتمكّن من ذلك، ليس أمامه إلاّ الزهد. «مَن زهِدَ في الدنيا أعتق نفسه وأرضى ربّه».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق