برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 

يا أصحاب البيوت الزجاجية لا ترموا بيوت الآخرين بحجر!

«إذا كان بيتك من زجاج فلا ترم بيوت الآخرين بحجر» مقولة شهيرة يتداولها الناس بكثرة، وهي مقولة تتوجها الحكمة، ويسندها العقل، ويرتاح لها الضمير الحي المنصف، ويأنس لها العقلاء وأصحاب اللب، وينبذها ولا يرتاح لها الفاشلون والمحبطون والهاوون للتضليل والكذب، والمتشدقون بالأراجيف والدسائس، والحائكون للقصص الواهية جزافًا، والكارهون للضوء، والمعدمون للأدلة والبراهين، نتيجة خيبات مريضة، وسلوكيات واهنة، أُسُّها الفشل الذريع، والرسوب البائن.

البشر الحقيقيون لا يتتبعون الآخرين، ولا يتجسسون عليهم، ولا يغتابونهم، ولا يأبهون عن ماذا يفعلون، ويمقتون المشي وراء الآخرين بلا غاية أو هدف، وينأون بالنفس عن الغي والهوى، وعن كل الأمراض النفسية والأخلاقية، والتعاملات الدونية، وأن الثقة تنبع من الذات، التي تجمع سمات السمو والتألق والإنسانية وصفاء النية، ومراقبة الله في كل الحالات الظاهرة والخفية.

إن الإنسان العاقل السوي، يكره شوائب الأمور، وأدران اللغو، ومسارات الانحراف، وإن المبالغة في تتبع الناس، توحي بالضعف والإخفاق والتقعر والهوان، مثل الذي يريد أن يبني مجدًا على حساب الآخرين دون ركض أو تعب أو سهر.

وإن الذين يملكون بيوتًا من زجاج ويرمون بيوت الآخرين بحجر، تعد أعمالهم بشعة وممجوجة وخائبة، ومن هنا يكمن الشر، وتكمن البلية، لأنه لا يروق لهؤلاء الارتقاء والنجاح، بقدر ما يروق لهم الرسوب والتقهقر والفشل.

وإن الأمراض لا يشترط أن تكون فتاكة، فسواد القلب، ورماد النية، من أكبر الأمراض وقعًا وأشدها فتكًا، أصحابها يريدون وأد الآخرين، وعزلهم وإبعادهم عن مدارات البياض والنقاء.

وإن جنون المتابعة للآخرين الذي يمارسه هؤلاء يعد تجاوزًا مليئًا بالغرور والاستعلاء، وانتفاخًا بزهو فارغ، وإن أصحاب النفوس الكبيرة عكس هؤلاء لا يعبأون بصغائر الأشياء، ولا بتوافه الأمور، وإنما يعانقهم شوق الإبداع، وتحركهم الهمة العالية، للنهوض بالأعباء الكبرى، والمهمات الجسام، ويطمحون لارتقاء القمم، وفضائل الأعمال.

إن الأخلاق العالية كالذهب الثمين، وكالحجر الكريم، وهي منطلق الصلاح والفلاح والإنجاز، أصحابها يحبون الجمع، وينبذون الأنا، ويمقتون الاحتواء، وإن المبالغة الغليظة في تتبع الناس، أمورهم وشؤونهم وحالاتهم، تعد تعديًا مقيتًا لا يجب أن تكون.

وإن التلذذ بالأعمال الدونية، والمقولات الفارغة، ورمي الناس بالبهت والهمز واللمز، والمشي بالنميمة، أصحاب هذه السلوكيات البغيضة لديهم نزعة شيطانية غارقة بالبشاعة، وعندهم سعار مقيت، وينطوي في نفوسهم حب فظيع للأنا، يتجاوزون حدود المنطق والمعقول، ويحاولون أن يكونوا ظاهرة غريبة، لا يملون ولا يكلون من محاولة البروز والظهور، حتى ولو كان ذلك على حساب المبادئ والأعراف والقيم، ويحاولون بشغف التمدد طولًا وعرضًا إلى درجة التخمة.

وحين يكونون على هذا النحو من العمق، فلن يحظوا بحب الناس ولا بتقديرهم، ولن ينالوا إعجابهم واحترامهم، وتكون علاقة الناس بهم يشوبها الحذر الشديد، وحيث إنهم لا يعرفون سقفًا للتوازن والاعتدال، فإن رغائبهم محمومة، وشهواتهم لاهبة، ونرجسيتهم عالية، وعندهم الرغبة الكبيرة في تكسير مجاديف الآخرين، وهذا هو اللؤم، وهذه هي البشاعة بعينها.

فيا هؤلاء عودوا إلى رشدكم، وابتغوا الحكمة، ومارسوا العقل، بعيدًا عن البغض، وممارسة اللغو، اركنوا للسكينة والهدوء، واتركوا الفحيح والضجيج، راعوا الله واتقوه، وتذكروا يومًا تهطع فيه الرؤوس، تشخص فيه الأبصار، وترجف منه القلوب، ولا يرتد فيه طرف، حينها لا ينفع ما قد فسد، إلا ما قد صلح.

رمضان العنزي

موظف قطاع خاص، كاتب رأي بصحيفة الجزيرة، روائي، لي من الإصدارات ثلاثة: ١) حي المطار القديم ٢) العيش بين مخرزين ٣) وطنيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق