برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
Ticket

صبر النساء

في جلسة اجتماعية واحدة خرجت بأربعة نماذج عظيمة لنساء تقام بيوتهن على صبرهن بعد لطف الله وإرادته، فتلك في منتصف العمر وزوجها طريح المرض لكنها تقوم على خدمته وتمريضه وتربية أبنائها، والعمل خارج المنزل لجلب لقمة العيش، إلى جانب تحملها لأمزجة زوجها الغاضبة أو المنهارة بسبب المرض والعجز.

وأخرى شابة في مقتبل العمر لم تسرق منها صعوبة العيش ملامح شبابها وجمالها وتعيش مع زوج وقع فريسة لإدمان المخدرات وأصدقاء اللهو وسفرات المجون والمتعة، ومع ذلك ظلت حبيسة ذمته لتربية أطفالها، ولأنها تتأمل أن يفتح الفرج أبوابه لمرار صبرها.

والثالثة لها زوج متطلب غاضب دائمًا ولا تملأ هي عينه، ونظرته ممتدة لكل النساء اللاتي يراهن مع أن واحدة منهن مهما بلغ قبحها لن تفكر بالنظر إليه، وقد شهدت زوجته خياناته النتنة، وعرفت أنه قدرها الذي لا مناص منه، فمازالت تصبر وتربي أبناءه وتقوم على واجباته مع القليل من التذمر الذي لا يفسد ديمومة صبرها.

أما الرابعة فقد تزوجت رجلًا يكبرها بعشرات السنين، وله من قبلها زوجتان، وله أبناء يكبرونها عمرًا وتفتقد فيه كل ما يمكن أن تسعد به الزوجة مع زوج قريب من عمرها، ولكنها صابرة وتمضي حياتها بألم خفي.

كل هذه النماذج وغيرها مما نراه من حولنا، دليلٌ واضحٌ على قيام معظم البيوت في العصر الحالي على «صبر النساء» فالرجل مع أنه عقلاني إلا أن أبسط المشكلات التي يعجز عن حلها لن يتوانى في فكها بالانفصال، ربما هربًا من مسؤولية حل مشاكله، أو عدم رغبته أساسًا في الحل.

وقد يقال: إن نساء الجيل الحالي أقل تحملًا مما مضى، نعم أتفق، ولكن في مجتمعنا السعودي تحديدًا لا صحة لذلك، فالنساء عمومًا يضربن ألف حساب لنظرة المجتمع ولانتقاد المحيط، وللمستقبل بكل تفاصيله، فلذلك ترى معظمهن يؤثرن العيش صابرات، إما وفاءً منهن أو رغبةً في العيش بسلام، أو خوفًا على أبنائهن، أو خوفًا من المجتمع.

وقد يكون هذا الأمر صحيًا من جانب الحفاظ على تماسك الأسرة التي يفضي تماسكها إلى تماسك المجتمع، إلا أن الاستسلام للواقع يرفع من مستوى السلبية في الشخصية، وقد ينتج جيلًا مستسلمًا خاضعًا غير قادر على المقاومة أو حب الذات بصورة إيجابية.

تحتاج المرأة في مجتمعنا إلى معرفة قيمة ذاتها ومعرفة حدود الصبر التي يجب عدم تجاوزها خصمًا على راحتها أو صحتها أو مستقبلها، وأن تعرف متى يُفترض أن تقول: «يكفي» أو «لا أستطيع» أو «هذه حدود تحملي»، وأن تعتذر عن ممارسة أي وظيفة بشرية تفوق طاقتها.

تغريد العلكمي

تغريد محمد العلكمي، كاتبة وصحفية وقاصة، بكالوريوس صحافة وإعلام - كلية الآداب والعلوم الإنسانية - جامعة جازان، عملت في صحيفة الوطن لمدة 8 سنوات، ومارست الكتابة الصحفية في عدد من الصحف، صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان «شتاء آخر» عن نادي أبها الأدبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق