برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
سَواري

المسافة بين التديُّن والتطرُّف والوطنية

قبل عِدَّة أيامٍ طرح أحد الأصدقاء «تغريدة» يُعبِّرُ فيها عن وجهة نظره إزاء المُتديّنين والوطنية، حيثُ يرى أنَّ هناك علاقة عكسية بين التديُّن والوطنية، فبعضهم – حسب تعبيره – كلما زاد تديُّنه قلَّتْ وطنيته.

إن انتماء الفرد لأرضه لا تُحَدِّده عوامل دينية أو مذهبية أو فكرية، بل تحدده عوامل فطرية جُبلنا عليها، وهي مُتَجذِّرة أُفقيًّا ومُتَفرِّعة عموديًّا، تجعله يُؤثِرُ البقاء على هذه الأرض حتى لو افتقرتْ للأمن والأمان أو تم ازدراؤه والتنكيل به عليها.

مِن المُلاحَظ أنَّ مفهوم الوطنية لدى البعض هُلاميّ فِضفاض، وهذا ما فتح باب المزايدة والفرز والتخوين، وإذا أردنا تجاوز كل ذلك، علينا أولًا إعادة تكوين مفهوم واضح للوطنية حتى يتم قياسها على ما سِواها.

نعيش اليوم في مجتمعٍ واحدٍ يحوي ثقافات مُتعددة وأفكارًا مُتشعِّبة، ويُشكِّلُ أفراده باختلافاتهم نسيجًا اجتماعيًا متينًا متماسكًا لا يتهَلهَل، وينضوون تحت مِظلّةِ وطنٍ فسيحٍ.

التطرُّف – في تعريفه المُختَصَر – هو: المغالاة السياسية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية، أما التديُّن فهو: فعل الإنسان في الامتثال لمجموعة من القيَم والمُثُل العُليا التي يؤمن بها ويعتقد بصحتها.

فلا يُمكن أن نعتبر المُتطرِّف مُتديّنًا لأنه تجاوز دائرة الاعتدال التي تَحُضُّ عليها الشريعة السَمحة وأمعنَ في الغلوّ والتنطُّع، وسُمِّيَ مُتطرِّفًا لأنه يعيش على طرفٍ أو بمعزلٍ عن المجتمع وعن فكره السائد، بل ويجد إشكالًا كبيرًا في العيش في أوساط الناس، لأنهم في نظره إمَّا كفارٌ أو فَاسِقون أو خوارج أو عملاء أو غير ذلك، وهذا ما يدعوه في الكثير من الأحيان، لأن يؤثر الهجرة للأوطان والمجتمعات التي تتبنى فكرًا مُماثلًا مُتَّسِقًا مع توجُّهاته.

ولا يُمكن أن نعتبر التديُّن وجهًا آخر من وجوه التطرُّف، فالتديُّن شيء والتطرُّف شيء آخر، المُتديِّن يعيش معنا ونعيش معه ولا يجد إشكالًا في ذلك، وهو جزء من المنظومة الاجتماعية وطرف من أطراف السجال الفكري الدائر.

من الممكن أنْ يصل المُتَديِّن إلى التَطرُّف متى ما غالى وتنطَّع، لكن بالتأكيد سيخرج من دائرة التديُّن التي جعلته مقبولًا وفاعلًا في المجتمع، إلى دائرة أخرى تجعله منبوذًا حتى من ذويه وأقرانه.

إذا بقي التَطرُّف حبيس الصدور فلا ضير في ذلك، لكن المُعضِلة إذا طفا على السطح وتُرجِم إلى أفعال، فالقانون لا يُحاسب على النوايا وحدها بل على الأفعال،  أو على النوايا والأفعال مجتمعة.

رائد البغلي

كاتب و مدوّن ، حاصل على البكالوريوس في ادارة الأعمال ، و دبلوم في المحاسبة التجارية. له العديد من الكتابات المنشورة في الصحف الرسمية السعودية و الخليجية و مواقع التواصل الإجتماعي ، و أبرزها : صحيفة الرياضي ، و الشرق ، و اليوم ، و الراي الكويتية ، و الاقتصادية.

‫2 تعليقات

  1. احسنت استاذ رائد على هذا التفريق بين التدين والتطرف

  2. أصبت عين الحقيقة هنا فارق شاسع بين المتدين و المتطرف فالمتدين بطبعه و بفطرته محب لوطنه قال النبي صلى الله عليهو آله ( حب الأوطان من الإيمان) دمت غالياً و سالماً عزيزنا أبا علي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق