برجاء الانتظار جاري تحويلكم ...

 
حياة

«تعديل مناهج التعليم» قراءةٌ من زاويةٍ فكرية

ببالغ الفرح والسرور استقبلتُ قرار وزارة التعليم القاضي بمراجعة وتعديل الكتب الدراسية بمختلف مناهج التعليم خلال العام الدراسي المقبل، وهو قرارٌ يواكب متطلبات العصر وتحدياته دينيًا وثقافيًا وفكريًا وسلوكيًا، ويفتح آفاقًا بعيدةً لصناعة مجتمعٍ قادرٍ على استقلاليته وعقلانيته، بعيدًا عن التلقين والحشو والتبعيةِ والاستغفال، يمقتُ التطرفَ والإرهاب، يمقتُ الطائفيةَ المذهبيةَ والعنصريةَ القبلية، مؤمنٌ أن الدين علاقةٌ بين الإنسان وربه، وأن الوطن للجميع، ولي على ذلك ملاحظات:

1_ قد يلتبس على البعض أن التعديل يعني سوء ما سبق من مناهج، وليس الأمر كذلك، فغاية ما فيه أن الاحتياجات الإنسانية تختلف من زمان لآخر، فنحن بحاجة – مثلًا – في عصرنا الحديث لتعلم بعض لغات الشعوب لكي نتواصل معها بشكلٍ يسير، لوجود المصالح بيننا وبينها كما هو الحاصل في إقرار الوزارة تعلُّم اللغة الصينية، وتكثيف مقررات اللغة الانجليزية.

2- في ظل هذا العصر المنفتح والمتداخل مع كافة أنواع المجتمعات، وبعد تطور وسائل التواصل، أتمنى أن يتضمَّنَ التعديلُ: ترسيخَ ثقافة التسامح الديني والتعايش مع أتباع الأديان، وإبراز ذلك من خلال تراثنا الإسلامي، كوثيقة العهدة العُمرية لـ«أهل إيلياء القدس» حين تمَّ تأمينهم على كنائسهم وممتلكاتهم.

3- ترسيخ ثقافة التعايش المذهبي مع أتباع المذاهب العقدية المختلفة، فإن من المهم والضروري أن يكون الطالبُ مستوعبًا حالة التنوع المذهبي في الوطن الواحد، وأن ليس هناك تناقضٌ بين الانتماء للمذهب والمواطنة الصالحة، مدركًا ما للطائفية والعصبيات المذهبية من مآلات قد وصلت بأبناء البلدان الأخرى إلى التناحر والشتات وسفك الدماء.

4- ترسيخ ثقافة الاختلاف واحترام الرأي الآخر، وبيان حقيقة مفهوم دين الإسلام والمتمثل بالنص الشرعي ثبوتًا ودلالةً، وأنَّ ماعدا ذلك يبقى في دوائر الاجتهاد المحتمِلة للصواب والخطأ.

5- التأكيد على حرمة الحياة الخاصة للإنسان المسلم وغير المسلم، وعدم إعطاء الفرصة للتدخل فيها، وذلك من خلال نصوص الشريعة، ومن ذلك: النهي عن تتبع سقَطَات الناس، والتجسس عليهم، وهمزهم ولمزمهم، وحرمة مساكنهم .

6- ترسيخ مبدأ الإسلام في المساواة بين الناس، ونبذ العصبيات المختلفة لمذهبٍ أو عرقٍ أو جنسٍ أو لونٍ أو إقليم.

7- مراجعة بعض ما ورد في تراثنا من آراء اجتهادية تاريخية وفقهية لسنا ملزمين بها، والذي آمُلُه – كمهتمٍّ بالشأن الفكري – أن يتمَّ استبعاد الكثير من تلك الممارسات السياسية التاريخية الاجتهادية، والتي قد تصلح في وقتها وزمانها، كمصطلحات قد انتهت بوقتها من مثل مفاهيم دار الكفر ودار الإسلام، وتمييز غير المسلمين في المجتمع، وتوزيع الغنائم، فهذه الأشياء لا تلزمنا اليوم وذلك لانتفاء وجودها، والحكمُ يدورُ مع العلة وجودًا وعدمًا، فإذا وُجدت العلةُ وُجد الحكم، وإذا انتفتِ العلةُ انتفى الحكم.

8- آمل أن يتمددَ التعديلُ أيضًا، ليشملَ صياغة ومراجعة مقررات التخصصات الإسلامية والعربية والاجتماعية في جامعاتنا الموقرة، فهناك مقررات وتخصصات تحتاج إلى المزيد من التطوير وإعادة الصياغة، لتواكبَ روحَ العصر، ولتتحولَ إلى مزيدٍ من الإنتاجية والفاعلية.

عادل العُمري

أستاذ مشارك بجامعة القصيم، عضو مجلس مركز أبحاث العلوم الشرعية واللغوية بجامعة القصيم، دكتوراه في علوم القرآن والتفسير من جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض، شارك في العديد من المؤتمرات والندوات داخل المملكة وخارجها، له مقالات صحفية جادة ولقاءات تلفزيونية في مختلف القضايا الشرعية والفكرية.

تعليق واحد

  1. شكري الجزيل للدكتور الأستاذ عادل العُمري بكتابته هذا المقالة الثمينة بمضمونها وتركيزها على موضوع تغيير المناهج وما يترتب عليها من مهمات ضروري العمل بها وإتباع ما ورده في مقالته هذه من نقاط جوهرية على المسؤولين وضعها في الحسبان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق